القرطبي

189

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « من مات من أهل الجنة من صغير وكبير يردّون بني ثلاثين في الجنة ، لا يزيدون عليها ولا ينقصون ، وكذلك أهل النار » « 1 » . قال : حديث غريب ، لا نعرفه إلا من حديث رشدين . فصل في حديث أبي هريرة : « لكل واحد منهم زوجتان » ، وقد تقدم من حديث عمران بن حصين « أن أقل ساكني الجنة النساء » . قال علماؤنا : لم يختلفوا في جنس النساء ، وإنما اختلفوا في نوع من الجنس ، وهو نساء الدنيا ورجالها أيهما أكثر في الجنة ، فإن كانوا اختلفوا في المعنى الأول ، وهو جنس النساء مطلقا ؛ فحديث أبي هريرة حجة ، وإن كانوا اختلفوا في نوع من الجنس وهم أهل الدنيا ؛ فالنساء في الجنة أقل . قلت : يحتمل أن يكون هذا في وقت كون النساء في النار ، وأما بعد خروجهن في الشفاعة ورحمة اللّه تعالى حتى لا يبقى فيها أحد ممن قال لا إله إلا اللّه ؛ فالنساء في الجنة أكثر ، وحينئذ يكون لكل واحد منهم زوجتان من نساء الدنيا ، وأما الحور العين فقد تكون لكل واحد منهم الكثير منهم . وفي حديث أبي سعيد الخدري قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن أدنى أهل الجنة منزلة الذي له ثمانون ألف خادم واثنتان وسبعون زوجة » « 2 » . ذكره الترمذي وقال فيه : حديث غريب . ومثله حديث أبي أمامة ؛ خرّجه أبو محمد الدارمي ، وسيأتي ، والأخبار دالة على هذا . وقوله : « وأمشاطهم الذهب والفضة ومجامرهم الألوة » ؛ قد يقال هنا : أي حاجة في الجنة للامتشاط ، ولا تتلبد شعورهم ، ولا تتسخ ؟ وأي حاجة للبخور ؛ وريحهم أطيب من المسك ؟ ويجاب عن ذلك : بأن نعيم أهل الجنة وكسوتهم ليس عن دفع ألم اعتراهم ، فليس أكلهم عن جوع ، ولا شربهم عن ظمأ ، ولا تطيبهم عن نتن ، وإنما هي لذّات متوالية ونعم متتابعة ، ألا ترى قوله تعالى لآدم : إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى [ طه : 118 ، 119 ] وحكمة ذلك أن اللّه تعالى نعمهم في الجنة بنوع ما كانوا يتنعّمون به في الدنيا ، وزادهم على ذلك ما لا يعلمه إلا اللّه عزّ وجلّ .

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي ( 2562 ) ، وضعّفه الألباني . ( 2 ) أخرجه الترمذي ( 2562 ) ، وضعّفه الألباني .